عرض مشاركة واحدة
قديم 2011-04-10, 11:51 PM   رقم المشاركة : 2
الوطن الوحيد
عضو شرف
 
الصورة الرمزية الوطن الوحيد
 


فايزة اليعقوبي
تخيل الحوار: الخطّاب المزروعي


كان الوقت عصرا..
في حادث سير كهذا أن تصل أولا ليس كمن يصل لاحقا..
الكارثة لازالت في طراوتها، والموت كان قد أنهى كل شيء..
لففت جثة الطفل المنقذف خارج الركام في اللفافة المنقذفة بجانبه.. حتى الآن لم أفهم كيف تسنى لي وقتها أن أعرف أنه قد فارق الحياة..
» رجل وزوجته« هكذا أخذ يردد من كان يصل بشكل متسارع.. أكثر من ساعة ونحن نجمع الفتات البشري ولم أجرؤ أن أنظر إلى وجه الجثتين..
- كان حادثاً – لم أعرفهم –قولي هل بقي أحد!!.. كنت أجيب والدتي باقتضاب حين فتحت فم الرعب بمجرد أن رأتني ملطخاً بالموت.. دخلت غرفتي ولم أنهض إلا في صباح اليوم التالي.. حين تناولتُ هاتفي كان ثمة رسالة من الصديق هلال البادي:«فايزة اليعقوبي في ذمة الله برفقة زوجها وطفلها في حادث سير عصر أمس في عبري«.. يا للفجيعة.. أخذتُ أسترد بعض التفاصيل قبل أن أدخل في حالة نحيب متواصل.(هكذا سرد لي الصديق القاص سعيد الحاتمي لحظة الحادث الأليم الذي وقع على القاصة الراحلة فايزة اليعقوبي).
وكما هي تكلمت عن الموت على هيئة تنبؤ إذا بالمصادفة الغريبة والموجعة لصديقنا القاص سعيد الحاتمي الذي هو من نفس مكان فايزة وهو عبري أن يكون أول الواصلين لموقع الحادث الذي ذهبت ضحيته فايزة وقد حاول أن ينقذهم وهو لا يعلم من هم أصحاب الحادث ولم يكتشف إلا في الغد برسالة من صديقه هلال البادي أن من توفت في الحادث ومن حمل جثمانها ما هي إلا فايزة اليعقوبي.
هذا الحوار ؛ محاولة مستميتة نحو قذف السؤال باتجاه الموت في الجهة الأخرى.. افترضنا هذا الحوار التخييلي مع القاصة فايزة اليعقوبي التي رحلت عن عالمنا يوم الثلاثاء 11 أبريل 2006م في حادث أليم في عبري مع زوجها وابنها.. رحلت وبقي السؤال في داخلنا يشاكسنا.. ونحن اليوم في أقاصي نحاول أن نجيب على الأسئلة التي بقيت عالقة بين ثنايا إبداعها،تقديراً لإسهامها في جانب القصة القصيرة من جانب؛ ومن جانب آخر رحيلها المفاجيء والمؤلم؛ وستجيب هي من هناك من عالمها البعيد عن أسئلتنا، من خلال نصوصها الضاجة بالتأمل والتطواف، دون تدخل منا!.
واثناء إعداد هذا الحوار حاولت أن أشارك الأصدقاء الكتّاب وعائلة الكاتبة في طرح الأسئلة.
رحم الله فايزة وأسكنها فسيح جناته.
قال عنها عبدالله حبيب: » ليس الإبداع الحقيقي إلا محاولة صعبة نحو صمت الخليقة الأول، هناك حيث، في البعيد البعيد، ترفل فايزة بأثوابنا، وأحلامنا، وانكساراتنا جميعاً..«.
وقال أيضا: »في نصوصها القصصية تلك يشاكسها الشعر في ما يكاد أن يكون تقليداً في القصة العمانية القصيرة، فتحاول أن تتملص منه وأن تتورط فيه معاً، وان تغزل القص في نسيج حكاياتها الآسرة..«.
* صباح الخير فايزة؟
تحية الصباح والمساء معاً والنجوم والغيوم والأزهار والحكايات والقصائد والأمواج والتلال الممتدة من أول نقطة رمل في الصحراء إلى آخر قطرة ماء تعانق الأودية.
*كيف أنت هناك؟
يا صديقي تنسكب الكلمات هنا وتتشكل كما نتشكل نحن وعشق الأرض.
* ماذا تعني لك الحياة؟
أن الحياة مليئة بالاختلاف والتغيير فإن ألوانها السبعة هي الأمل والحب والسفر والأماني والفن والطبيعة والعمل..
* والموت.. وماذا يعني لك الآن؟
ذلك الجني الأسطوري الصغير.. هو أصل الموجودات…أن الحياة غير أبدية ولهذا علينا أن نحزن وأننا سننتهي…
* لحظة الكتابة كيف تصفينها؟
إنها لحظة الانزلاق
* (أحمد الراشدي): هل تشعرين بحسرة هناك لأن الموت خطفك وأنت لم تحققي مشارعيك الكتابية والثقافية، وتودين الرجوع أم أنك رضيت بقدرك؟
لسنا هنا باختيارنا فنحن قد أجبرنا على القدوم..هذه المدينة تفتُّ ما تبقى من عضد الأماني وتزحف باتجاه روحي أفلَ جسدي المكفَّن برداء الماضي.
* ماذا يعجبك في (فرجينيا وولف)؟
(وولف) ذئبة متمرسة تعرف أكثر من فصيل من الذئاب والثعالب.
* ماذا تتذكرين من حكايات أمك؟
لا أذكر من أمي سوى حكايات يتناقلها الآخرون ولا أذكر إلا طعم الحليب الذي تركته فاطمة على شفتي وصدى قهقهات أخشى أن تسمعها أمي خلف الهضبة؛ فتؤنبني حبات الرمل المتطايرة من عينيها.
*ماذا تركت لك فاطمة أيضا؟
حبات (الفرْصاد) المتناثرة تحت قدمي فاطمة عند أبواب الربيع المتلاشية فلا زمن يأتي بعد النقطة الأخيرة من الفصول.
* ماذا يعني لك الحب؟
كل العيون حين تشعر بالحب تشعر بالدفء وأنا حين بدأت أشعر به شعرت بالخوف وبدأ الدفء يتسرب من بين أصابعي حين أقضي نهاري في خوف من فقدان الحب حتى حلول المساء وما أسوأ الحب الذي لا يمنحك الدفء بالحياة.
*(خالد عثمان): تأخرت في إصدار المجموعة وبكرت في الرحيل.. ألا تحسين في هذا تناقضاً؟
كانت معادلة من الصعب أن أفهمها، معادلة تقتضي أن يقف الزمن أمام الزمن، وأن تقف إيحاءات المكان أمام المكان، وأن تتوقف الأقلام عن الكتابة إلا بأقلام جافة، زمن يحارب بعضه وينتشل أشلاء من جثث بعضه البعض..
*في قصة مكاشفة، بطلا القصة رجل وامرأة، امرأة قوية في داخلها وفجأة يكسرها الموت بكل هشاشة..؟
هذه لغة لا تفهمها كل النساء ولكن لا تقبلها إلا واحدة وخاصة هذه المرأة فهي مضيئة.
* (رحمة المغيزوي): هل يصيرنا الموت إلى خواء معدم؟
الموت يختبيء في ثنايا أجسادنا ويظهر حين نشعر بالضعف ليفتك بآمالنا حيث تتخلى عظامنا عن لحومنا، ومع ذلك فنحن البشر نقهره بآمالنا المخزونة في شفرات لا تفهمها إلا لغة الحضارة.
(محمد الحضرمي): لو كان لديك اشتغال ادبي قادم فهل سيكون قصة ام سيتطور الى رواية او اي جنس اخر؟
كتب فارغة مجرد أوراق بيضاء.. لأنه لا يوجد هنا ما يصلح للقراءة.
(حمود الراشدي): هل الموت كان هاجساً وجودياً لك في الحياة؟
تترد فكرة الموت كثيراً وصار متخيلاً في ذهني أكثر من أي لحظة أخرى.إنه الاسم المضاد للأزلية.
(حمود الشكيلي): ماذا يعني لك البحر كمكان في القصة؟
تفاصيل الحكاية..
* (بدرية الوهيبي): لو أعرف وجه الموت!
يتجمد فيها دمك، أوصالك وشرايينك إلا القدمين تتسابق خطاك لتسابق رائحة الليل المسكون برائحة الموت.
(خليفة سلطان العبري):ترى أي معنى كان لدبيب رحلة الحياة يا فايزة؟
تخاف من أن تسقط في حفرة مطمورة؛ فتنغرس قدماك في طين عبري اللزج..
* قلت في قصة (دفْ): إن مصرعنا سيكون عند عتبات مدينتنا. أولا قلت مصرعنا بضمير المتكلم (الجمع) وهذا ما حدث أن توفيت أنت وزوجك وولدك، ثانيا أن الحادث المؤلم حدث على عتبات مدينتك عبري هل كنت تشعرين به (الموت) يلاحقكِ؟
علمني (خليل) أن أقذف الكرة في وجوه الأسماك الصغيرة العائدة من المدرسة؛ لنحطم سوياً أنوفها في عمل بطولي مشترك يظل الفتية يتحدثون عنه…عمي تنبأ بأن مصرعنا عند عتبات مدينتنا.
*فايزة.. انتظري لدي سؤال!
ولكنها فجأة توقفت عن التفكير.. عندما قذفتها سيارة قادمة إلى الجانب الآخر من الطريق(الحياة).
كنت سأسألها: قيل أن السغب لا يأتي إلا مع التعب فهل سغبت مع الموت؟!
قاسم اليعقوبي
في ذات الشهر(ابريل) الذي توفت فيه الأديبة الراحلة فايزة اليعقوبية
تلقت المرحومة دعوة للمشاركة من
كلية التربية بنزوى بصفتها المشرفة على جماعة فكر وأدب بكلية التربية بعبري حضرت فايزة إلى كلية التربية بنزوى سابقا من عام 2004م
ولم تقرا نصوصا في تلك الجلسة بل أخذت مكانا لها من بين الحضور للإصغاء لنصوص الشباب والشابات الذين قدموا من كل صوب ليطلعوا بتجربتهم الإبداعية
بعد انتهاء الأصبوحة القصصية دار عدد من النقاشات حول القصة القصيرة وكان وقتها حاضرا تلك المناقشات الدكتور علال الغازي والذي توفي في ذات المصير الذي لاقته فايزة فيما بعد
طرحت بعض القاصات الطالبات عدد من الأسئلة من قبل جماعة الإعلام على المرحومة حول تجربتها القصصية ومواضيع أخرى من بين ما قيل في تلك الجلسة
×× استاذة هل تعتقدي أن القصة القصيرة في عمان تبني مجدا على غرار الشعر؟ ممكن أن تضع له تقييم كقصاصة. الآن
ابنتي
للقصة مريدوها ومعجوها وليس اصدق دليلا على هذا من الوجود الكبير الذي حضر اليوم والذي اكتظت به قاعة مسرح الكلية ووجودنا بينكم من اجل نلتقي بنسيج الحكايات أنا
أخشى أن اظلم جنسا على آخر ولكن إن كتب لنا العمر
سنلتقي يوما ولو بعد سنوات هنا أو في مكان آخر وستجدين صوتنا القصصي أكثر وضوحا من الآن التجربة القصصية في عمان نظلمها ان نحن أقمنا لها تقييما في هذا العمر المبكر ووضعناها مع الشعر
توجد لدينا أسماء رائعة تكتب القصة وأخرى تحاول فعل ذلك وأخرى غير معروفة تنتظر اللحظات لكي تعلن عن نفسها.
كيف تكتبين قصتك فايزة؟ هل لديك طقوس في الكتابة؟
سئلت مرات وأنا القي دروسا في كليتنا عندما كنت ادرس بعض المقررات المتصلة بالأدب وكنت اخبر طالباتي لا توجد لدي مقاسات محددة أو طقوس لا يوجد تاريخ استند اليه في إخراج نص أنا لست مستعجلة القصة تأتي لي منقادة نجحت أن أجد معها ألفة الكاتب يشعر بها كل ما تقدم، تمر علي ايام وفي ذهني الفكرة تجول في خاطري وأنا اخرج من منزلي والشارع وداخل قاعة الدرس وفي الممرات حتى تأتي اللحظة التي تخرج منها لحيز الوجود أكيد كل كاتب له خصوصيته في الكتابة أنا لا أحب طقوس وان ثمة طقوس اخجل من ذكرها الآن ربما سيأتي يوما وأخبرك عنها أو اكتبها في مذكراتي يوما .
توقفنا عن الحديث وكان من بين ما قالته فايزة القصة تلك الومضة العابرة التي نقتنصها والتي لا تحتمل المزيد منا سوى أعمال الخيال خيال القاص ليس من السهولة كتابة القصة القصيرة بل هو اشتغال شاق تحتاج الى عمل كبير سيحاكمك القراء عليه إن آنت لم تعطي النص حقه


النص منشور بعد اشهر ثلالثة منذ وفاتها

الوطن الوحيد غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس